المنجي بوسنينة

424

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

رابط ، وربما كان هذا بسبب رؤية القاص الذي يعكس فوضى العالم والأشياء في فنه القصصي ، والحيدري ينساق أحيانا وراء الجمل التي يحسن وضعها ، فتبدو القصة أقرب إلى النثر الفني منها إلى الفن القصصي مع اهتمام واضح برصد الشخصيات الشاذة ، ويبدو أنّ استخدام اللغة الشعرية في القصة يأتي ليرد على قسوة وخشونة العالم الخارجي ، بينما يظهر بروز الشخصيات الشاذة بوصفه نتاجا لمرحلة غياب الحريات الفردية والجماعية ، وهذا يفسر لنا تركيز الحيدري على بعض الظواهر الفريدة في المجتمع العراقي مع عناية بالأزمة الذاتية والوجودية أحيانا ، والعبثية في أحيان أخرى ، إلّا أنّ هذا لم يجعل الحيدري مغمض العينين عن قضايا الأمة المصيرية ، حيث كتب عن القضية الفلسطينية قصة « المعطف » المنشورة ضمن مجموعته « رجل تكرهه المدينة » . ويزج الحيدري بنفسه ، وسط موجة القصة الستينية في العراق ، ليكتب عن الضياع والقرف والإنسحاق والملل والكفر بالحياة والناس ، لذا جاءت قصصه محملة بأشياء من الغثيان ، والقرف ، والجنس الفج ، والتقزز ، والضجر ، والموت ، والحرية ، والعدالة ، والسقوط ، والاختيار ، والإنهزام ، والرفض ، والانتحار . ويلاحظ أنّ قصة « رجل تكرهه المدينة » قد تضمّنت كثيرا من المعاني الفلسفية عن الحياة والموت والحرية والاختيار والفرد والمجتمع ، ويتّضح هنا تأثّر الكاتب الحيدري بقصص سارتر وكامو من الناحية الوجودية ، بينما يتّضح تأثير مسرح العبث واللامعقول والخواء واللامعنى في الحياة ، وقد ظهر هذا التأثر في قصص القطار ، والغبار ، والغبي ، والشواهد الرخامية . وتحمل قصة « حسون والأغنية » للحيدري بعض الملامح الرمزية في دعوتها إلى إعلاء روح الإنسان وتحمل الصعاب ، فبطل القصة حسون بسيط ونادر في بحثه عن الحرية ، وقد منع حسون من الغناء الذي كان يجد فيه حريته وتأكيد ذاته ، ولكنه لا يتوقّف عن الغناء ولا يفرط بحريته على الرغم من الوسائل العديدة التي استعملت ضده ، حيث بقي صامدا ومتحدّيا حتّى النهاية ، لأنه لا يستطيع أن يفرط بحريته ولا يرضى بالقيود التي تكبّله ، فالحرية عند حسون ، استمرار حقيقي لحياته . وقد مزج يوسف الحيدري بين الحياة الداخلية للشخصية مع الحياة الخارجية في وقت واحد ، وهكذا فإن تيار الوعي وجد الطريق إلى قصته « الجزاء » التي سعى فيها إلى إلغاء الزمان والمكان بحيث بدت اللغة وكأنّها فقدت بعض الإيحاء والدلالة ، مع ملاحظة أنّ السرد في هذه القصة يعتمد أسلوب الاستبطان ، من ضمير إلى ضمير ، ومن ضمير المتكلّم إلى ضمير الغائب . إنّ قصص وكتابات يوسف الحيدري ، تحمل رائحة الوجودية تارة ، والسريالية تارة أخرى كما في قصة « الحصان والجدار الزجاجي » التي تظهر فيها مكوّنات العقل الباطن للبطل ، لتصدر حركة تذمر وسخط واحتجاج على آلية الحياة الحديثة والفزع من خنق الفرد وسحقه ، وعموما فإنّ نتاج الحيدري يفصح عن عقل معذب وقلب جريح وذات ممزّقة ، وغياب للعدالة والمعنى في الحياة ، الأمر الذي يجعل